شبكة أهل السنة الإسلامية شبكة أهل السنة الإسلامية شبكة أهل السنة الإسلامية شبكة أهل السنة الإسلامية

لست أدري إن كان ما يجري من أحداث في القدس، مخططاً له، أو مجرد توافق لمصالح مشتركة جعلت الوضع على ما هو عليه، وإن كنت لا أستبعد كون ما يجري من أحداث مخططاً لها بطريقة مشتركة تهدف إلى فرض الواقع على أبناء المدينة بغض النظر عن كونه حقاً أو لا، فلو كان الأمر بالتوافق غير المقصود لما عصفت بالمدينة تلك الأعاصير العاتية التي أذهبت معالم المدينة، وجعلت أهلها الشرعيين في غربة كاملة، بل ولما التفت حبال العنصرية حول رقاب المسلمين في القدس، وفرضت عليهم تلك الضرائب الباهظة التي وإن تركت لهم مجالاً للعيش فهو لسد احتياجاتهم الأساسية، أو قضاء ما عليهم من ديون "للدولة" ومن يلتفون بفلكها، ناهيك عن سياسة التهجير، والتخبيث العنصري، والهدم وعدم إعطاء التراخيص اللازمة إلا بشق الأنفس ولعدد محدود، وعدم توفر فرصة العمل إلا فيما تأباه النفوس الكريمة، ويجبر عليه الكرماء أخذاً بالضرورة.

 

وهذا واقع لا يخفى على أحد، فقد سلطت وسائل الإعلام حتى المعادية منها الضوء على حقيقة ما يجري في القدس من مكائد للمدينة وأهلها، والعرب حكاماً وعامة ليسوا بعيدين عن تلك المهزلة ، فعويلهم المستمر على المدينة وأهلها لا يكاد يتوقف، وأصوات التأييد والمباركة لا تنقص خطاباتهم، ولا ترفع من شعاراتهم، ولسان حالهم وقالهم لأهل المدينة سيروا ونحن من ورائكم، وكان المنى أن يقف أولئك الباكون موقفاً مشرفاً يكتب لهم بمداد الذهب، ويجعل في صحائف حسناتهم، إلا أنه ومع الأسف لم نجد لا من الخاصة ولا من العامة ما يبرهن على صدق مواقفهم، وحقيقة أقوالهم، بل على خلاف ذلك وجدنا توافقاً من الأولياء قبل الأعداء على عدم التعامل مع الوضع الراهن إلا بالوعود الواهمة، فأبناء القدس ليسوا بحاجة إلى من يشاركهم بكاءهم ، أو يصف صعوبة أحوالهم، أو يحذرهم مما يكاد لهم، فهم أدرى الناس بذلك، لا أحد غيرهم يعيش مأساتهم، أو يذوق مرارة عيشهم، وصعوبة أحوالهم، لكنهم بحاجة إلى دعم حقيقي يعينهم على الصمود بوجه أعدائهم، والحيلولة دون تنفيذ مخططاتهم، وإعمال ما يتوافق مع مصالحهم العامة والخاصة، فهم بحاجة إلى من يخفف آلامهم، ويرفع عن كواهلهم أعباء الغموم والهموم مما أصابهم ويصيبهم، فإن أهل القدس حتى يستطيعوا الوقوف بوجه أعدائهم، أو يصمدوا في مدينتهم بحاجة إلى دعائم كثيرة كبيرة متنوعة، من أبرزها إنشاء مؤسسات اجتماعية تربوية، ومنشآت تجارية صناعية، ودعم سخي متواصل ليتمكنوا من الصمود مع ما يبذلونه من الجهود، ومن خلال النظرة المتأنية نرى أن أهل القدس في هامش فرعيات أعمال الداعمين لقضية القدس، فمؤسسات القدس المتجردة المتحررة من التبعية لحزب من الأحزاب، العاملة لتحقيق المصلحة العامة، لا تحصل على أي نوع من أنواع الدعم، رغم جهودها وصمودها، وإذا ما فكرت في التوجه إلى مؤسسة من تلك المؤسسات المتخمة بأموال العامة من خلال التبرعات لمدينة القدس، تضع شروطاً لا يكاد يقدر عليها أحد، وتماطل في المعاملات حتى ييأس الطامعون بكرمهم ويتمنوا أنهم ما طرقوا أبوابهم، ولا تتأثر تلك المؤسسات بضياع أهداف أهل المدينة المقدسة، ولو مثلنا لواقع مؤسستنا ( أهل السنة ) فإن لها من المشاريع الاجتماعية التربوية ما لا يخفى على أحد من أهل المدينة، فإن فروع المؤسسة كنار على علم، ومع ذلك لا تتلقى المؤسسة أي تبرع من أي جهة ما حكومية كانت أو خاصة، وإن كنا لا نطمع يوماً بوقوف المؤسسات الحكومية إلى جانبنا، بل نحقق فوزاً  كبيرا ًإن جنبتنا تلك المؤسسات مكائدها والحيلولة دون عرقلة مشاريعنا، ولكن لومنا يقع على المؤسسات الخاصة، خاصة تلك التي ترفع شعارات الإسلام فوق عروش رؤسائها، والتي لا تعمل إلا بما يتوافق مع قرارات دولهم بغض النظر عن ما يترتب عليها من إضاعة وضياع، أو من خلف كاميرات التوثيق دعاية لكسب المزيد من التبرعات وتحقيق أطماع ذاتية، أو ينحصر دعمها مع من وافق فكرها وحقق أهدافها المعلنة والخفية، أما أن تقوم بدعم المؤسسات العاملة عملاً مستقلاً يسعى إلى تحقيق مصالح عامة في أناس أرهقتهم صعوبة العيش في المدينة المثقلة بجروحها فلا.

ومن المؤسف أننا عندما ننظر إلى تلك المؤسسات التبشيرية في المدينة وما ينهال عليها من دعم سخي متواصل، وإقامة لمشاريع متهافتة تهدف إلى إخراج الناس من عقيدتهم، وتنكرهم لهويتهم، والأدهى والأمر أنها تدعم حتى من تلك المؤسسات المتباكية على عقيدة المسلمين، في الوقت الذي نرى فيه المؤسسات الإسلامية غير الحزبية تناشد بأصوات عالية أمة لا تكاد تسمع صرخاتهم، فكيف بأن تخفف آلامهم، أو تشد على أيديهم، وقد أصاب كثيراً من المؤسسات المقدسية الوهن مما أدى إلى تغليق العديد من المؤسسات، أو تجميد مشاريعها، وليست جمعية أهل السنة الخيرية عن ذلك ببعيد إذ قامت على تجميد مشاريعها كافة نظراً لتوقف الدعم عنها بعد ما تم تغليق المؤسسة الداعمة لها ( مؤسسة الحرمين الخيرية) وقد بذل القائمون على الجمعية جل جهودهم ليحولوا دون تجميدها أو ما حل بها من إغلاق كامل، ولكن كما قيل ( تسمع إذ ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي ).

وإن ما نخشاه حقاً أن يصيب مؤسسة السنة ما أصاب الجمعية من قبل، حيث لا مصادر للمؤسسة إلا من خلال ما تجنيه من أقساط داخلية أو منافذ قانونية لا تكاد تفي بأدنى المطلوب، ولا يخص الواضع الراهن مؤسسة دون مؤسسة، بل هو وضع عام، ومن المؤسف أننا نسمع أصواتاً عريضة تدعو إلى دعم القدس وأهلها دونما أي حقيقة واقعية تدل على صدق تلك الدعوات، وليت شعري كيف لأناس أي يطالبوا بالصمود في وجه مكائد أعدائهم في الوقت الذي لا يستطيعون فيه تلبية أدنى احتياجاتهم الأساسية.

ومما يزد الأمور تعقيداً، عدم تعاون أهل القدس بعضهم مع بعض ليحققوا جميعاً مصالح عامة تؤدي إلى ثباتهم والتخلص من مخططات أعدائهم، بل كثير منهم من يسعون جاهدين في ترسيخ مخططات أعدائهم، من ذلك مساعدتهم على تفريغ المدينة من سكانها من حيث يشعرون أولا يشعرون، فعلى سبيل المثال أهل القدس يعانون من أزمات سكانية لصعوبة توفر المساكن نظراً للعراقيل التي توضع أمام البناء، مما يضطر كثير من الناس إلى البحث عن بدائل لهم، ولا شك أن البدائل تكمن في بيوت الإيجار، فنرى أصحاب العقارات يطالبون الناس البسطاء بأجور باهظة الثمن لا يقدرون على تأمينها، والأمر من ذلك أنهم يطالبونهم بدفع أموال مقدمة لسنة أو لأشهر، والأمر الواضح أن هؤلاء سيعجزون عن دفع المال لأصحاب البيوت ذوي القلوب المريضة، مما يحملهم هذا إلى الخروج من مدينة القدس، والسكن في بيوت خارج نطاق المدينة، وهذا ما يريده الأعداء حتما، وفي المقابل  يضطر أصحاب البيوت في القدس، إما إلى تحويل المباني إلى مكاتب ومؤسسات تجارية، أو تأجيرها إلى مؤسسات أجنبية أو حتى تابعة لبلدية القدس أو غيرها من المؤسسات الحكومية، وهذا حتما كما قلت يخدم بشكل كبير مخططات الأعداء، وهو قضية من أبرز القضايا التي يواجهها المقدسيين، فأهل القدس المخلصون إما أمام مكائد أعدائهم، أو أطماع بني جنسهم الذين لا يهتمون إلا بتحقيق مصالح أنفسهم دون النظر إلى ما تدعو إليه الحاجة الماسة من رص الصفوف لما يتلاءم مع المصالح العامة.

وعليه فإن من يتغنى بجراح القدس، ويدعو إلى الوقوف بجانب أهلها ليحملهم على الصمود والثبات في وجه أعدائهم ، عليه أن يعلم أن أهل القدس ليسوا بحاجة إلى شعارات، أو خطابات رنانة، كما أنهم ليسوا بحاجة دعم من خلال تلك المؤسسات التي لا ترى إلا أتباعها، أو ما يرجع عليهم بالمصلحة الذاتية من دعم بعض المشاريع العامة، بل هم بحاجة إلى دعم عام، دعم يصل إلى كل فرد من أفرادهم، ودعم لمؤسساتهم الاجتماعية المحايدة خاصة التربوية منها والفكرية، وبحاجة إلى توفير فرص عمل حقيقة يستطيعون من خلالها العيش بكرامة  وثبات، أما مسألة جمع الأموال لمدينة القدس وأهلها على شاشات التلفاز، والجرائد العامة وما إلى ذلك من أساليب دون تحقق ذلك فعلاً على أرض الواقع، فإنها لا تزيد أهل القدس إلا إحباطاً وقتلاً لهممهم وعزائمهم، ويترك المجال حيا أمام أعدائهم ليوغلوا في تحقيق مصالحهم وسياستهم العنصرية في حق المدينة، وتهجير أهلها منها.

كما وأقول لأولئك المنتسبين إلى مدينة القدس المتباكين على ما يحل بها من مصائب ونكبات من أصحاب العقارات وغيرهم، أقول لهم اتقوا الله في أنفسكم ولا تكونوا ممن يعين أعداءكم على تحقيق مصالحهم من خلال طمعهم وجشعكم، وأنانيتكم التي أصبحتم من خلالها لا ترون إلا أنفسكم، وحققوا مسألة التراحم بينكم من خلال رحمتكم أخوانكم فلا تضيقوا عليهم وتطروهم إلى  الخروج من المدينة المباركة بسبب أطماعكم النتنة، فإن من لا يرحم لا يرحم، فكونوا متعاونين معهم على البر والتقوى، وحذار أن تدخلوا في التعاون مع أعدائكم ضد إخوانكم بالسير على مخططاتهم الدنيئة، واعلموا إن الله يمهل ولا يهمل، وأن ما أصاب أخوانكم من حاجة ليس منكم ببعيد، وأن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ولا أعني بقولي هذا أن تفتحوا بيوتكم لإخوانكم صدقة منكم عليهم، وإن كان هذا والذي رفع السماء خيرا لكم في دينكم ودنياكم، وأقرب لكم إلى ربكم سبحانه كما هو حال الأنصار مع المهاجرين رضي الله تعالى عنهم ، لكن أقول اتقوا الله في أخوانكم من خلال التخفيف عنهم  ببعض ما يثقل عليهم ويضيق عليهم، بالنسبة للإيجار، والصبر على معسرهم دون التضييق عليه إلى ميسرة، وعدم مطالبتهم بد فع أموال مقدمة فإن هذا ما يثقل كواهلهم، وإلا فإنكم تكونون من المجرمين الذين يدفعون بالأعداء نحو إعمال أهوائهم في المسلمين، ولا شك أن هذا باب من أباب موالاة الكافرين في تحقيق أهدافهم ضد أخوانهم المسلمين.

 

ومن خلال النظرة العابرة السريعة تدرك أخي المسلم أن أهل القدس في مأساة مزدوجة، في مأساة تنكيل أعدائهم بهم، وحرمانهم من أبسط حقوق العيش، وتهديديهم بالطرد والنفي، وبين مأساة أخوانهم في الخارج من خلال التخلي عنهم إلا بالشعارات والخطابات دونما أثر في أرض الواقع، وبين أطماع أخوانهم وتعسيرهم عليهم وتحميلهم فوق ما لا يستطيعون والله سبحانه خير الناصرين، والحمد لله رب العالمين.

Monday the 21st. .